صديق الحسيني القنوجي البخاري
35
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا » « 1 » . رواه النسائي ، وفي الجامع الصغير : « الشحيح لا يدخل الجنة » رواه الخطيب في كتاب البخلاء عن ابن عمر ، وقد وردت أحاديث في ذم الشح كثيرة . ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين والأنصار ، ذكر ما ينبغي أن يقوله من جاء بعدهم فقال : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ وهم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة ، وقيل : هم الذين هاجروا بعد ما قوي الإسلام والظاهر شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة ، المتأخر إسلامهم في عصر النبوة ، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة ، لأنه يصدق على الكل أنهم جاؤوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار ، عن سعد بن أبي وقاص قال : الناس على ثلاث منازل ، قد مضت منزلتان وبقيت منزلة ، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ، ثم قرأ : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ . يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ المراد بالأخوّة هنا أخوة الدين ، أمرهم اللّه أن يستغفروا لأنفسهم ، ولمن تقدمهم من المهاجرين والأنصار ، قال في المصباح : الأخ لامه محذوفة ، وهي واو ، وترد في التثنية على الأشهر ، فيقال : أخوان ، وفي لغة يستعمل منقوصا فيقال : أخان وجمعه إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما ، وضمها لغة ، وقيل : جمعه بالواو والنون ، وعلى آخاء وزن آباء أقل : والأنثى أخت ، وجمعها أخوات ، وهو جمع مؤنث سالم . وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي غشا وحقدا وبغضا وحسدا لِلَّذِينَ آمَنُوا ، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي كثير الرأفة والرحمة ، بليغهما لمن يستحق ذلك من عبادك ، أمر اللّه سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من اللّه سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق ، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا ، لكونهم أشرف المؤمنين ، ولكون السياق فيهم ، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان اللّه لهم فقد خالف ما أمره اللّه به في هذه الآية ، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ الشيطان ، وحل به نصيب وافر من عصيان اللّه بعداوة أوليائه ، وخير أمة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم ، إن لم يتدارك نفسه بالالتجاء أو باللجإ إلى اللّه سبحانه ، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طوّقه من
--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « لا يجتمع شح وإيمان في مكب رجل مسلم » ، أخرجه النسائي في الجهاد باب 8 ، وأحمد في المسند 2 / 256 ، 340 ، 342 ، 441 .